كيف تتداول الغاز الطبيعي كالمحترفين؟

كيف تتداول الغاز الطبيعي كالمحترفين؟ يبدأ السر من إدراك أن هذا السوق لا يرحم العشوائية، بل يتحرك بجنون بين تقارير المخزونات الأمريكية وموجات الطقس العنيفة. وفي هذا المقال، سنفكك معاً شفرة مركز هنري هوب ومؤشرات الأرصاد، لتكتشف أسرار قراءة تقارير الطاقة واستراتيجيات التحوط المتقدمة التي تحمي محفظتك وتضمن لك اقتناص الفرص بثقة.

سيكولوجية سوق الغاز الطبيعي: كيف يختلف عقد USGAS عن السلع الأخرى؟

ينفرد الغاز الطبيعي USGAS عن بقية السلع بصعوبة تخزينه واقتصار نقله على شبكات أنابيب محددة. وهذا يحد من مرونة إمداداته. كما يساهم هذا الوضع في زيادة حساسيته للتقلبات الجوية المفاجئة التي تحرك مستويات الطلب. وبالتالي يؤثر مباشرة على الأسعار بحركات عنيفة وسريعة لا نشهدها في أسواق السلع الأخرى كالذهب والنفط.

معيار "هنري هوب" Henry Hub

يقع مركز هنري هوب في ولاية لويزيانا الأمريكية، وهو نقطة الالتقاء المادية لشبكة ضخمة من خطوط الأنابيب. والشريان الأول المسؤول عن تسعير الغاز محلياً وعالمياً.

تتلخص آلية التسعير فيه بالاعتماد المطلق على قوى العرض والطلب الحرة. ومن سعره تُشتق أسعار العقود الفورية والآجلة، بحيث تُسعر غاز المناطق الأخرى في أمريكا الشمالية بناءً على الفارق الجغرافي (Basis). وذلك عبر إضافة أو خصم قيمة معينة من سعر هنري هوب حسب تكاليف النقل والطلب الإقليمي.

ولا يقف أثره هنا، بل يمتد ليكون الأساس للتسعير العالمي عبر شحنات الغاز المسال LNG التي تشتري المادة الخام بسعره، ليتأثر به مباشرة مؤشر TTF الأوروبي وJKM الآسيوي.

تقرير مخزونات الغاز EIA الأسبوعي

تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) الصادر كل خميس، هو الترمومتر الأسبوعي الذي يقيس حجم الغاز المخزن تحت الأرض وتأثيره المباشر على السوق والأسعار. ولتوقع الانفجارات السعرية فور صدور الرقم، يتم قراءة البيانات عبر الحالات التالية:

  • حقن الغاز Injections: تشير إلى زيادة المخزون وضخ الغاز الطبيعي في الخزانات الجوفية كالكهوف الملحية والحقول المستنفدة خلال مواسم اعتدال الطقس في فصلي الربيع والصيف وتحديداً من أبريل إلى أكتوبر. حيث تقوم شركات الطاقة بضخ الفائض من الإنتاج لتخزينه للمستقبل. ويظهر ذلك بوضوح عندما يُسجل تقرير EIA زيادة صافية في المخزون بمقدار +85 مليار قدم مكعب مقارنة بالأسبوع السابق في منتصف مايو مثلاً. أي أنّ حجم الغاز المحقون فاق بكثير حجم الغاز المسحوب لتلبية الاستهلاك، وهو ما يُقرأ كإشارة هبوطية (Bearish) تضغط على الأسعار للأسفل نتيجة وفرة الإمدادات وتجاوزها للتوقعات.
  • سحب الغاز Withdrawals: تعني تراجع المخزونات نتيجة الاستهلاك الكثيف المرتبط بالتدفئة شتاءً أو التبريد صيفاً. وتحدث خلال فصلي الخريف والشتاء من نوفمبر إلى مارس. حيث يسحب الغاز المخزن تحت الأرض لتغطية العجز. ويتوضح هذا في أوقات موجات البرد القارس عندما يسجل التقرير انخفاضاً صافياً كبيراً في المخزون بقيمة -150 مليار قدم مكعب أسبوعياً. وهذا يدل على أن الاستهلاك المحلي والتصدير قد تجاوزا كميات الغاز المستخرجة والمحقونة مجتمعة. وهو ما يشير إلى محركٍ صعودي عنيف (Bullish) يطلق انفجارات سعرية للأعلى بسبب مخاوف نقص المعروض.
  • الانحراف عن متوسط 5 سنوات: يعكس مدى بعد الأرقام الحالية عن المقاييس التاريخية للسوق. فكلما اتسعت الفجوة بين الرقم الحالي لتقرير EIA ومتوسط الخمس سنوات بالتزامن مع طقس قاسي، تضاعفت حدة التغيرات السعرية الفورية وعشوائية الحركة.

الغاز المسال LNG

حوّلت طفرة الغاز الطبيعي المسال LNG سوق الغاز من نطاقٍ إقليمي ضيق تحكمه خطوط الأنابيب الثابتة، إلى سلعة عالمية مرنة تتداول فورياً عبر البحار بفضل التوسعات الضخمة للإمدادات الأمريكية والقطرية.

وقد تسارع هذا التحول مدفوعاً بأزماتٍ جيوسياسية حادة غيرت خريطة الطاقة العالمية. كحرب أوكرانيا التي أجبرت أوروبا على التخلي عن الغاز الروسي والاعتماد على الشحنات الأمريكية المحمولة بحراً لتأمين احتياجاتها. والتوترات المستمرة في مضائق الشرق الأوسط والممرات البحرية الحيوية.

هذه النزاعات جعلت أسعار الغاز شديدة الحساسية للأحداث السياسية. إذ يمتد أثر أي اضطراب إقليمي فوراً ليشعل المنافسة السعرية بين الأسواق الآسيوية والأوروبية على اقتناص الشحنات الحرة.

استراتيجيات متقدمة للمضاربة اليومية والتحوط في أسواق الغاز

تتطلب أسواق الغاز الطبيعي من المضاربين اليوميين والمستثمرين تبني استراتيجيات فنية وهيكلية حديثة، تتجاوز مجرد التحليل الفني الكلاسيكي. لتشمل فهم حركة الفجوات الناتجة عن تغيرات الطقس والآثار المالية المترتبة على تمديد العقود. ويتمحور تطبيق هذه الاستراتيجيات لتعظيم الأرباح وتجنب الخسائر المخفية حول الآتي:

استراتيجية الفجوات السعرية Gap Trading

تتأثر أسواق الغاز الطبيعي مباشرةً بالتقلبات المناخية المفاجئة التي تظهر خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما يحسب السعر على كم الطاقة الحرارية الكامنة في الغاز. فعلى سبيل المثال، إذا تسببت عاصفة ثلجية غير متوقعة في تجميد خطوط الأنابيب في تكساس، يفتتح السوق صباح الإثنين على قفزة سعرية صاعدة ضخمة نتيجة نقص الإمدادات والارتفاع الحاد في الطلب على التدفئة.

وفي حال حدوث العكس، كأن يغلق السعر يوم الجمعة عند $2.800 ويفتتح الإثنين عند $2.750 مشكلاً فجوة هبوطية بقيمة $0.050 بسبب قدوم جبهة هوائية دافئة ومعتدلة في غير وقتها بأسواق أوروبا. وهنا يستغل المضاربون ذلك بفتح مركز شراء مباشر عند الافتتاح مستهدفين صعود السعر لتغطية الفجوة عند $2.800 مع وضع وقف خسارة عند $2.720.

بينما يختلف الأمر تماماً في استراتيجية الامتداد، حيث يركب المضارب موجة الفجوة ويسير في اتجاهها صعوداً إذا كانت مدعومة بزخم مناخي عنيف، كالإعصار الذي يضرب منصات الإنتاج في خليج المكسيك ويهدد بقطع الإمدادات لأسابيع.

فهم ظاهرة الكونتانجو Contango والباكورديشن Backwardation

تحدد هياكل العقود الآجلة تكاليف التمديد Rollover. ففي حالة الكونتانجو تفوق أسعار العقود البعيدة الأسعار الفورية بسبب تكاليف التخزين، فتسبب خسارة غير مباشرة تُعرف بعائد التمديد السلبي وتلتهم الأرباح عند الانتقال لعقد أغلى.

بالمقابل، تشير حالة الباكورديشن إلى عجز في المعروض الفوري، الذي يجعل العقود القريبة أغلى من البعيدة. وبالتالي يمنح المتداول ربحاً تراكمياً إيجابياً عند الترحيل لعقد أرخص. ولتفادي تقلبات هذه المنحنيات التي تظهر على منصات مثل CME، يلجأ المحترفون لعقود الخيارات Options كأداة تحوط أساسية لحماية مراكزهم المفتوحة.

أدوات تداول الغاز الطبيعي: اختيار الآلية المتوافقة مع حجم محفظتك

تتنوع الأدوات المالية المتاحة لتداول الغاز الطبيعي لتناسب مختلف مستويات الخبرة وحجم رؤوس الأموال. تتيح هذه الآليات للمتداولين اقتناص الفرص السعرية أو التحوط ضد المخاطر دون الحاجة للتعامل مع التسليم المادي المعقد للسلعة. ويخضع اختيار الأداة المناسبة لطبيعة محفظتك الاستثمارية وقدرتك على تحمل تقلبات السوق العنيفة تبعاً للآتي:

عقود الفروقات CFDs

عقود الفروقات هي الأداة الأكثر طلباً للمتداولين الأفراد وأصحاب المحافظ الصغيرة والمتوسطة. إذ تسمح بالمضاربة على اتجاه الأسعار الفورية للغاز صعوداً بالهبوط أو الشراء دون امتلاك الأصل نفسه.

وتتميز بفرصة الاستفادة من الأسواق الصاعدة والهابطة على حد سواء. بجانب ميزة الرافعة المالية التي تمكّنك من فتح صفقات كبيرة برأس مال محدود. ورغم قدرتها على تضخيم الأرباح. إلا أنها تنطوي على مخاطرة مرتفعة جداً لأنها تضاعف الخسائر بنفس النسبة في حال تحركت الأسعار عكس توقعاتك.

صناديق الاستثمار المتداولة ETFs

تمنح هذه الصناديق خياراً استثمارياً ممتازاً لأصحاب النفس الطويل والمحافظ الكبيرة الذين يفضلون الاستثمار في قطاع الغاز دون الدخول في تفاصيل التداول اليومي ومخاطر عقود التمديد.

وتعمل عبر شراء حصص في سلة أوراق مالية تتنوع بين تتبع أسعار الغاز مباشرة. أو الاستثمار في أسهم كبرى شركات الطاقة والتنقيب. وهو ما يوفر تنوعاً فورياً للمحفظة ويقلل من مخاطر التركيز على أصل واحد، ليجعلها أداة تحوط هادئة في مواجهة تقلبات الأسواق.

العقود الآجلة وعقود الخيارات Futures & Options

يفضل المتداولون المحترفون والمؤسسات المالية الكبرى العقود الآجلة وعقود الخيارات لإدارة الصفقات الضخمة في البورصات الرسمية مثل بورصة نيويورك التجارية.

ترتكز العقود الآجلة على التزام قانوني بشراء أو بيع كمية محددة من غاز هنري هوب بسعر متفق عليه مسبقاً وتاريخ مستقبلي محدد. بينما تمنح عقود الخيارات مشتريها الحق دون إلزام في التنفيذ. وهذا يمنح الشركات الكبرى مرونة عالية وحماية كاملة للتحوط ضد تغيرات الأسعار غير المتوقعة في السوق الفورية.

محركات التقلب الحاد Volatility في اسعار الغاز عالميا

تشتعل تقلبات أسعار الغاز Volatility عالمياً بسبب الحساسية الفورية لتقلبات الطقس الحادة وتقارير المخزونات الأمريكية. ويكفي أن يلوح في الأفق أي توتر سياسي يهدد الإمدادات لتتضاعف حدة هذه القفزات عشوائياً. نظراً لصعوبة تخزين الغاز وضخ كميات بديلة بسرعة.

معادلة الطقس والأرصاد الجوية

إنّ الطقس هو المحرك الأول لعقد الغاز الطبيعي، حيث تترجم أسواق المال التغيرات الجوية المفاجئة إلى قفزات فورية في الطلب ترتفع معها الأسعار. أو هدوء مناخي يضغط عليها لتنخفض. ولقراءة هذه التغيرات وبناء صفقات بيع أو شراء، يستند المتداولون على مؤشرين أساسيين:

  • مؤشر طلب التدفئة HDDs: يقيس معدل هبوط الحرارة دون 18 درجة مئوية شتاءً. وكلما اتسع الفارق وزادت البرودة، قفز المؤشر ليعلن عن استهلاك ضخم للغاز في التدفئة، أي يدفع المتداولين لفتح صفقات شراء Long ترقباً لارتفاع الأسعار.
  • مؤشر طلب التبريد CDDs: يقيس مدى ارتفاع الحرارة فوق 18 درجة مئوية صيفاً. فمع كل موجة حر لاهبة يرتفع المؤشر إشارةً إلى ضغط كثيف على محطات توليد الكهرباء لتشغيل المكيفات. أي يفتح شهية الشراء خوفاً من استنزاف سريع للمخزونات.

التنافس بين مصادر الطاقة

يخوض الغاز الطبيعي منافسة شرسة لتثبيت أقدامه كجسر عبور بين ملوثات الماضي وطاقة المستقبل النظيفة. وذلك وسط قيود بيئية واقتصادية تعيد تشكيل حجم الطلب عليه. وتتحدد ملامح هذا التنافس وأثره على المدى الطويل من خلال النقاط التالية:

  • حدود إحلال الغاز محل الفحم: يتميز الغاز بنصف انبعاثات الفحم تقريباً عند الحرق. لكن فوائده البيئية تتقلص بسبب تسريبات الميثان أثناء الإنتاج. كما أنّ المخاوف السياسية تدفع بعض الدول للإبقاء على محطات الفحم كاحتياطي لتأمين طاقتها عند انقطاع الإمدادات.
  • طبيعة التنافس مع الطاقة المتجددة: يتفوق الغاز بقدرته على توفير طاقة أساسية مستمرة وسد فجوات انقطاع الرياح والشمس لمرونة تشغيل محطاته. إلا أن الهبوط المستمر في تكاليف تكنولوجيا الطاقة المتجددة يضيق الخناق تدريجياً على حصته في قطاع الكهرباء.
  • مستقبل الطلب طويل الأجل: سيتراجع استهلاك الغاز في توليد الكهرباء مع توسع الطاقة النظيفة محلياً لتصل الأسواق المتقدمة إلى ذروة الطلب قريباً. لينحصر دور الغاز مستقبلاً في قطاعات الصناعات الثقيلة والمصانع التي يصعب تشغيلها بالكهرباء التقليدية.

أثر اضطرابات الإمداد والصيانة في أسواق الغاز 

تتحكم أعطال البنية التحتية ومعدلات الإنتاج الفوري في حجم المعروض بالسوق. إذ تترجم أسعار الغاز أي نقص في الإمدادات بقفزات سعرية مفاجئة وعنيفة. ويراقب المتداولون محركين رئيسيين لتقييم حجم هذا النقص بناءً على الآتي:

  • أعداد منصات الحفر Baker Hughes: تشير أسبوعياً إلى حجم التنقيب والإنتاج المستقبلي. فاستمرار تراجع أعداد المنصات يعني شحاً قادماً في الإمدادات خلال أشهر. وهذا يدفع الأسعار للصعود مبكراً، بينما زيادتها تعني تخمة معروض مستقبلي تضغط على السوق.
  • أعطال خطوط الأنابيب والصيانة: هذه الخطوط هي الشرايين الناقلة للغاز، وأي إغلاق مفاجئ لها بسبب التوترات أو الصيانة الطارئة يتسبب في اختناق فوري للإمدادات. كما يمنع وصول الغاز لمحطات التسييل والأسواق، وبالتالي يشعل الأسعار فوراً نتيجة العجز اللحظي.
الكاتب
admin review
محمد الهزاني
محمد الهزاني يتمتع بخبرة طويلة في كتابة المحتوى المتخصص بالأسواق المالية وشركات التداول، ويقدّم تحليلات عميقة تغطي الجوانب الفنية والتشغيلية لشركات الوساطة.

اﻷﺳﺌﻠﺔ اﻟﺸﺎﺋﻌﺔ

لا، فالغاز والنفط ينفصلان سعرياً تماماً، لأن أسعار الغاز محكومة بالطقس المحلي ومخزونات الأنابيب. بينما يتحرك النفط وفقاً لسياسات أوبك+ والطلب العالمي.

يوم الخميس هو الأفضل، خاصةً لحظة صدور تقرير المخزونات الأمريكي EIA، حيث تتدفق السيولة وتشتعل الأسعار بحركات عنيفة.

السبب هو إغلاق عقد الشهر الحالي والانتقال لعقد الشهر الجديد. وحيث أن العقود تختلف في قيمتها، تعوضك منصة التداول بخصم أو إضافة فرق السعر لتظل صفقتك مستمرة بنفس الربح أو الخسارة.

شارك بتعليق